سيد قطب

3602

في ظلال القرآن

كبير من التصور الإيماني . ( وقد فصلنا الحديث عنها عند استعراض قوله تعالى : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » في سورة الفرقان . وعند قوله تعالى : « إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » . . في سورة القمر ) . ولكن ذكر هذه الحقيقة الكلية هنا يربط بها ما قدره اللّه عن الطلاق وفترته ، والعدة ووقتها ، والشهادة وإقامتها . ويطبع هذه الأحكام بطابع السنة الإلهية النافذة ، والناموس الكلي العام . ويوقع في الحس أن الأمر جد من جد النظام الكوني المقدر في كل خلق اللّه . « وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ - إِنِ ارْتَبْتُمْ - فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ . وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً . ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً » . وهذا تحديد لمدة العدة لغير ذوات الحيض والحمل . يشمل اللواتي انقطع حيضهن ، واللاتي لم يحضن بعد لصغر أو لعلة . ذلك أن المدة التي بينت من قبل في سورة البقرة كانت تنطبق على ذوات الحيض - وهي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات . حسب الخلاف الفقهي في المسألة - فأما التي انقطع حيضها والتي لم تحض أصلا فكان حكمها موضع لبس : كيف تحسب عدتها ؟ فجاءت هذه الآية تبين وتنفي اللبس والشك ، وتحدد ثلاثة أشهر لهؤلاء وهؤلاء ، لاشتراكهن في عدم الحيض الذي تحسب به عدة أولئك . أما الحوامل فجعل عدتهن هي الوضع . طال الزمن بعد الطلاق أم قصر . ولو كان أربعين ليلة فترة الطهر من النفاس . لأن براءة الرحم بعد الوضع مؤكدة ، فلا حاجة إلى الانتظار . والمطلقة تبين من مطلقها بمجرد الوضع ، فلا حكمة في انتظارها بعد ذلك ، وهي غير قابلة للرجعة إليه إلا بعقد جديد على كل حال . وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . فليس هناك حكم إلا ووراءه حكمة . هذا هو الحكم ثم تجيء اللمسات والتعقيبات : « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً » . . واليسر في الأمر غاية ما يرجوه إنسان . وإنها لنعمة كبرى أن يجعل اللّه الأمور ميسرة لعبد من عباده . فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيقة . يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره . وينالها بيسر في حركته وعمله . ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها . ويعيش من هذا في يسر رخي ندي ، حتى يلقى اللّه . . ألا إنه لإغراء باليسر في قضية الطلاق مقابل اليسر في سائر الحياة ! « ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ » . . وهذه لمسة أخرى في جانب آخر . لمسة الجد والانتباه إلى مصدر الأمر . . فقد أنزله اللّه . أنزله للمؤمنين به ، فطاعته تحقيق لمعنى الإيمان ، ولحقيقة الصلة بينهم وبين اللّه . ثم عودة إلى التقوى التي يدق عليها دقا متواصلا في هذا المجال : « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً » . . فالأولى تيسير للأمور . والثانية تكفير للسيئات وإعظام للأجر بعد التكفير . . فهو الفيض المغري والعرض المثير . وهو حكم عام ووعد شامل . ولكنه يخلع على موضوع الطلاق ظلاله ، ويغمر القلب بالشعور باللّه